أراء وأفكار
Google+
مقالات الرأي
فاجأهم ترمب
لا أعتقد أن هناك أمراً أغضب المتطرفين، من أنظمة وتنظيمات، مثل سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاههم.
حرب جديدة في اليمن
  لم تكف اليمنيين الحرب الطاحنة التي تدور رحاها في مختلف مناطقهم منذ أكثر من عامين، فدخلت عليهم خلال
صراع مرير بين مشروعين
 مشروع اليمن الإتحادي بستة أقاليم ويمثله هادي وبعض الذين معه، وهو مشروع، على علاته، يروم إبقاء اليمن موحدا
الحوار الحضاري
شهد منتدى الإعلام العربي مداخلات مهمة، وهو المنتدى الذي تم عقده في دورته السادسة عشرة، تحت عنوان «الحوار
ندى الوزان
في منتصف العام ٢٠١٥ كتب أستاذ النقد الأدبي في جامعة صنعاء، عبد السلام الكبسي، على صفحته نداءً عاجلاً إلى
" ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً"
كان رأيي ، وسيظل ، هو أن تقسيم الجنوب إلى إقليمين يستحضر تاريخاً من الانقسامات وإعادة إنتاج الهويات بصيغة
آخر الأخبار
اختيارات القراء
اتبعنا على فيسبوك
السبت 02 أغسطس 2014 06:25 مساءً

لا تحدثني عن الدين والأخلاق بل حدثني عن القانون!

فيصل القاسم

ليس هناك شعوب ومجتمعات تتحدث عن الأخلاق وتتشدق بها أكثر من الشعوب العربية والإسلامية. فهي تنظر إلى كل شيء بمنظار أخلاقي ديني، على اعتبار أن الدين ليس منفصلاً عن الحياة في العالمين العربي والإسلامي، بل هو الحياة بحد ذاتها.

لا عجب إذاً أن يكثر في بلادنا الدعاة والخطباء والمفتون والواعظون والمرشدون الأخلاقيون. على العكس من ذلك لا وجود للدين في الحياة العامة في البلاد الغربية. وربما انقرض الواعظون منذ زمن بعيد. وقد لا تجدهم إذا بحثت عنهم إلا في الروايات الأدبية المكتوبة في القرون الماضية. لا دور للكنائس إلا ما ندر في الحياة الغربية، ولا يرتادها الناس إلا بأعداد قليلة جداً. هل سمعتم يوماً عن فتاوى دينية تحلل هذا وتحرم ذاك في البلاد المتقدمة؟ بالطبع لا.

أما لو نظرت في جنبات البلاد العربية والإسلامية، فلأخذت الانطباع أن الناس فيها تمارس أعلى درجات الأخلاق والسلوك الراقي. كيف لا وهي تحكّم الأخلاق والدين في كل تصرفاتها. ولو استمعت إلى بعض البرامج الدينية في بعض الإذاعات والتلفزيونات العربية لاعتقدت أن الشعوب لا يمكن أن تقترف أي خطيئة حتى لو كانت تذوق نقطة من الخمر.

ولطالما سمعنا البعض يسأل هذا المفتي أو ذاك عن تناول دواء فيه بعض الكحول. هل هذا حلال أو حرام؟ ولا بد أن تتعجب عندما تسمع شخصاً يسأل إذا كان من الحلال أو الحرام أن تعمل نادلاً في مطعم وتقوم أحياناً بمجرد تقديم لحم الخنزير للزبائن، أو تقوم بغسل صحون فيها بقايا من لحم الخنزير. من يستمع لمثل هذه الأسئلة يأخذ انطباعاً أن الأخلاق والالتزام بالقيم والمثل والخصال الحميدة في أعلى درجاته في البلاد العربية والإسلامية. لكن الحقيقة على الأرض أنه كلما كثر الحديث عن الأخلاق والمواعظ والقيم في بلادنا وجدنا أنه مجرد اجترار لفظي على عينك يا تاجر، وقد ينعدم في كثير من الأحيان في واقع الأمر.

على الرغم من وجود كم هائل من الوعظ والإرشاد والخطباء والقرآن والفقه ومئات المساجد وألوف الوعاظ في بلادنا، ألا أننا في واقع الأمر نعاني من أزمة أخلاق وحسن سلوك. لماذا؟ لأن الإنسان مهما ارتقى أخلاقياً يبقى عرضة للانحراف طالما أن ليس هناك قوانين صارمة تردعه وتلجم تصرفاته.

ففي الغرب يكاد يختفى الحديث عن الأخلاق في الكنائس والمدارس والأوساط الاجتماعية، لكن مع ذلك تجد أن الناس هناك رغم عدم تدينهم يسيرون على السراط المستقيم في تعاملاتهم التجارية والاجتماعية، فلا وجود للغش أو التلاعب أو الاحتيال إلا ما ندر. فلا يمكن للبائع ان يبيعك حليباً منتهي الصلاحية أو طعاماً فاسداً رغم أنه لم يسمع في حياته أبداً بالمقولة الشريفة: «من غشنا فليس منا»، ورغم أن الخوري في الكنيسة لم يأت أبداً في خطبة الآحاد على أخلاق البيع والشراء. أما عندنا فيمكن أن تجد شخصاً تصل لحيته إلى حضنه، مع ذلك فهو مستعد أن يغش أفراد عائلته، فما بالك بالآخرين. لماذا؟ لأن الأخلاق لا تردع، بل هي مجرد كلام أو وصايا غير ملزمة. وعندما قال الإمام محمد عبده إنه وجد في الغرب إسلاماً بلا مسلمين، فقد قصد بذلك أن القوانين الإسلامية تطبق في الغرب بحذافيرها، بينما تبقى في بلادنا مجرد مواعظ للاستهلاك الديني.

الفرق بين المجتمعات العربية الإسلامية والمجتمعات الغربية (الكافرة) بأن الأولى لا تعمل بالقانون، بينما تحتكم الثانية في كل تعاملاتها إلى القوانين الملزمة، لهذا كل شيء هناك يسير بدقة ساعة رولكس، ليس لأن الناس هناك فضلاء، بل لأنهم محكومون بالنظام والقانون.

 وكل من يخالف القانون يتعرض للعقوبة المادية أو الجنائية. لا أحد يقطع إشارة المرور لأنه يعرف أنه سيدفع الثمن غالياً. ولا أحد يتلاعب بالمواد الغذائية، لأن محله التجاري سيغلق وسيدفع غرامات باهظة، ولا يمكن الصفح عنه لأن قريبه يشتغل في البلدية. لا أحد يمكن أن يستهلك الكهرباء أو الماء بشكل غير قانوني، بل عليه أن يدفع عن كل قطرة ماء يستهلكها، وأن يدفع الضرائب المستحقة على كل ما يجني من مال. والمسألة إذاً ليست أخلاقية، بل قانونية بالدرجة الأولى.

ولطالما وجدنا العرب والمسلمين يصبحون مسلمين حقيقيين عندما يعيشون في مجتمعات غربية يحكمها القانون، ثم يعودون إلى طبائعهم العربية عندما يعودون إلى بلدانهم «الأخلاقية» المزعومة بين قوسين طبعاً.

الأخلاق والدين لا يمكن أن يصنع مجتمعات فاضلة، القانون هو الذي يصنع المجتمعات المستقيمة، بدليل ان العرب يتعرضون يومياً لوابل من المواعظ والإرشادات الدينية والاخلاقية في وسائل الإعلام والمساجد، مع ذلك فمجتمعاتهم فاسدة ومنحرفة حتى النخاع، بينما الغربيون لا يسمعون أي مواعظ أخلاقية أو دينية، مع ذلك لديهم مجتمعات صالحة وعادلة، لأنهم محكومون بالقانون لا بالأخلاق والمواعظ والفتاوى. وما ينطبق على الشعوب ينسحب على الحكام، فالحاكم الغربي ليس أكثر أخلاقاً من الحاكم العربي، فهو لا يسرق، ولا يستغل منصبه السياسي، ليس لأنه صاحب أخلاق وضمير، بل لأن القانون يمسح به الأرض فيما لو حاد عن التعليمات الملزمة. ولطالما فقد بعض المسؤولين الغربيين مناصبهم بسبب اختلاس بسيط لا يصل إلى بضعة دولارات، بينما مازال الكثير من حكامنا لا يميزون بين المال العام والخاص.

مجتمعاتنا وأنظمتنا السياسية ليست بحاجة لمواعظ اخلاقية ودينية وفتاوى شرعية، بل بحاجة فقط لحكم وسوط النظام والقانون، وعندها ستستقيم كحرف الألف. ويقول الماركسيون في هذا السياق: «القانون أقوى من الأفيون»، على اعتبار أن الدين، برأيهم، يخدر الشعوب، بينما القانون يردعها، ويضعها على الطريق الصحيح. أما الإسلاميون فيستشهدون بالحديث الشريف:» إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن».

 


شاركنا بتعليقك

شروط التعليقات
- جميع التعليقات تخضع للتدقيق.
- الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر سبام
- الرجاء معاملة الآخرين باحترام.
- التعليقات التي تحوي تحريضاً على الطوائف ، الاديان أو هجوم شخصي لن يتم نشرها