أراء ومقالات الصحف
Google+
مقالات الرأي
أعظم ما أنبتت هذه البلاد!
أعظم ما أنبتت هذه البلاد!هم شهداء مأرب وجرحاهاهم زهرة اليمن الكبير وشوكة عنفوانهشهداء جنوبيون في مأرب
فاجعة مأرب!
فاجعة مأرب.. المصائب من حيث الأمان. لا يمكن النظر إلى ما حدث في مأرب من مجزرة بشعة إلا بأنها إصرار حوثي على
حبة بلاط !
في نهاية 2015 وجهت لي دعوة مع عدد من القيادات الأمنية والعسكرية التي ظهرت بعدن عقب الحرب لزيارة مقر التحالف
الحزب الاشتراكي ... الكافر الملحد
من سيقراء المقال اتحداه ان يقول انني كاذب او انه مقال للتطبيل او النفاق أو ان كل كلمه ليست صحيحه بل لانها
عبدالمجيد تبون...موظف أم رئيس
تبيّن بعد الانتخابات الرئاسية الجزائرية أنّ المؤسسة العسكرية تحاول مرّة أخرى إعادة إنتاج النظام نفسه الذي
عدنان الحمادي.. آخر المقاتلين الوطنيين في اليمن
طور خطير في الأحداث العاصفة التي شهدتها مدينة تعز في اليمن، أخيرا، اغتيال العميد الركن عدنان الحمادي، قائد
آخر الأخبار
اختيارات القراء
اتبعنا على فيسبوك
الأربعاء 11 مايو 2011 08:15 صباحاً

اليمن وشبح الحرب الأهلية

عبدالباري طاهر

 الحرب في اليمن عملة متداولة منذ أزمان متطاولة. فاليمن القديم والوسيط قامت دولته على أساس تحالفات قبلية سرعان ما تنفرط لتعود التجزئة والاحتراب القبلي.


في العصر الحديث وبعد انهيار الدولة القاسمية "التوحيدية"، والتي استمرت أكثر من ثلاثين عاماً (1958 – 1690)، ومع عودة الأتراك الثانية إلى السواحل اليمنية (1849)، واحتلال البريطانيين لعدن (1847)، بدأ انشطار اليمن بين الوجود التركي والاستعمار البريطاني. شهدت اليمن حروباً كاثرة، سواء ضد الوجود البريطاني في الجنوب أم بين بريطانيا والإمام يحيى وابنه احمد، أم بين المتوكلية في الشمال والتمردات القبلية في أكثر من منطقة.

أما بعد ثورة سبتمبر 62 في "ج. ع.ي" فقد شهد الشمال حرباً أهلية بين الجمهوريين والملكيين، دعمت فيها العربية السعودية الملكيين، في حين وقف الزعيم العربي جمال عبد الناصر إلى جانب الثورة.

وانتهت الحرب في جنوب الوطن برحيل بريطانيا بعد حرب تحرير استمرت قرابة أربعة (63- 68). استمر الصراع الدامي على السلطة داخل كل شطر على حده وبين الشطرين حتى قيام الوحدة في مايو 1990. اعتقد اليمنيون أن قيام الوحدة خاتمة مطاف حروبهم؛ لكن الرئيس علي عبد الله صالح بدأ ومنذ اليوم الأول للوحدة يعد للانقلاب على الوحدة وإلغاء شراكة الجنوب والاستفراد بالسلطة. مهد للحرب باغتيال ما يزيد عن مائة وخمسين كادراً من كوادر الحزب الاشتراكي، مدنيين وعسكريين. ووسع تحالفاته مع الجناح القبلي والإسلام السياسي بزعامة الشيخين: عبد الله بن حسين الأحمر، وعبد المجيد الزنداني، فكانت كارثة حرب 94. بخروج صالح منتصراً من الحرب وإلغاء شراكة الجنوب، بدأ يعد لإقصاء حلفائه في الحرب (التجمع اليمني للإصلاح). بخروج "الإصلاح" من الائتلاف بدأت مرحلة جديدة في تبدل التحالفات السياسية. انتصار علي عبد الله صالح في حرب 94 على خصمه اللدود الاشتراكي -الشريك الثاني في الوحدة- أغراه بالجنوح إلى التفرد والتأبيد والتوريث. فمنذ العام 1977، عام خروج التجمع اليمني للإصلاح من الائتلاف والحكم، بدأ الحديث عن التمديد والتوريث، فجرى تعديل الدستور أكثر من مرة، لصالح التجديد للرئيس. كوارث الحرب تبدأ ولا تنتهي، فمن رحمها المشؤوم -كوصف عمرو معد يكرب الزبيدي- توالدت عشرات الحروب لتصل إلى أربعمائة حرب، آخرها الحروب الست في صعدة، وهي حروب ما تزال جذوتها متقدة تحت الرماد، ويمكن إشعالها في أية لحظة، كما أن جذورها المذهبية ممتدة إلى أكثر من منطقة: حجة، الجوف، عمران، مأرب، صنعاء، ذمار...

شكلت الحرب قطيعة مع سبع محافظات في الجنوب، وقطيعة "معمدة بالدم" في صعدة وعمران. وأدت الحروب إلى تفكك التحالفات القبلية والتصارع المذهبي: السلفي الوهابي، معهد دماج، وجامعة الإيمان، ومعاهد أخرى في أكثر من منطقة، والمذهب الزيدي في مناطق وجوده التاريخي.

وقد عملت الدولتان: اليمنية والسعودية، على نشر السلفية الوهابية ومد نفوذها، في الخطاب الإعلامي وخطبة الجامع ونشر الدعوة والتدريس والفتوى، في حين ضيقت الخناق على الزيدية وصادرت بعض كتبهم، وأغلقت مدارسهم، وأبعدتهم عن التوجيه والتدريس والإرشاد...

أواخر السبعينيات والثمانينيات استند صالح إلى الإسلام السياسي في المواجهة مع الجنوب والجبهة الوطنية الديمقراطية، وجندت الدولتان: اليمنية والسعودية، المئات والآلاف من الشباب اليمني والسعودي للقتال في أفغانستان، وفيما بعد في البوسنة والهرسك والشيشان، ثم عادوا ليشكلوا نواة "القاعدة" في البلدين. ورغم تبدل المواقف بعد تدمير برجي التوأم في أمريكا في الــ11من سبتمبر 2001، فإن الروابط ظلت قائمة بين صالح و"المجاهدين". وبلغ التعاون ذروته في حرب 1994 ضد الجنوب. وبقي التعاون قائماً لمواجهة الاشتراكي ولا يزالون ورقة تستخدم حتى اليوم. وجدتني مضطراً لهذه الخلفية لأنها تكشف جانباً أساسياً من المشهد السياسي الحالي (المأزوم)، فشبح الحرب الأهلية ليس بالغائب، والديمقراطية اليمنية قشرة هشة أو ورقة توت لا تحجب شيئاً، ويمكن إسقاطها، ولا تستطيع أن تحجب قانون القوة والغلبة الذي دمر الجنوب، ولم تمنع حروب صعدة الست؛ فهي ديمقراطية أوهى من بيت العنكبوت، تتيح بسهولة إعلان حالة الطوارئ، واختطاف الصحفيين وإخفاءهم والاعتداء عليهم بالضرب ومحاكمتهم خارج النظام والقانون، وإغلاق الصحف ("الأيام"، "التجمع")، أو استنساخها: "الشورى" (مثلاً)، كما تزيف وتستنسخ الأحزاب (حزب اتحاد القوى الشعبية)، أو شقها (حزب الحق وحزب الرابطة)، ولا تتيح التداول السلمي للسلطة في النقابات والاتحادات المهمة (اتحاد نساء اليمن، اتحاد العمال، اتحاد الأدباء والكتاب)، فما بالكم بالتداول السلمي للسلطة في البرلمان أو المجالس المحلية! أما رئاسة الدولة فدون ذلك أهوال.

صالح وخيار الحسم العسكري
في المرحلة الأولي من الأزمة راهن صالح على حسم عسكري؛ ولكن سيناريو الحسم العسكري قد فشل، لاتساع رقعة الاحتجاجات لتعم معظم مدن اليمن، ولصمود الشباب أمام الرصاص الحي والغازات السامة وهراوات البلطجية والجنود بملابس مدنية، ومن ثم فإن انقسام أو انضمام قوة رئيسية من الجيش (الفرقة الأولى مدرع) بقيادة علي محسن صالح رئيس الفرقة، الرجل الواسع النفوذ في الجيش والقبيلة والإسلام السياسي، كما أن انضمام قبيلتي حاشد وبكيل، وهما القبيلتان الكبيرتان اللتان تتقاسمان الغلبة والقوة للحاكم، أي حاكم، وقد استند إليهما صالح في حروبه ضد الجنوب، وفي تهديد المعارضة السياسية وابتزازها؛ كل ذلك أسقط خيار الحسم العسكري. تمثل القبيلة الرحم الولود للعسكرة والحروب والعصا الغليظة بيد الحاكم. وفي الدولة اليمنية القديمة كان الأقيال والأذواء هم قادة هذه الدول: سبأ، معين، حمير، قتبان، أوسان، وحضرموت. أما في دولة العصور الوسطى فإن المشايخ وزعماء العشائر (قادة القبائل) كانوا السند الحقيقي للإمامة حتى فجر الثورة السبتمبرية 1962، ولعبوا أدواراً ملتبسة وخطيرة في دعم الثورة والحرب ضدها. بعد وصول صالح إلى الحكم عام 1978 استند بالأساس إلى الجيش والقبيلة. وقد سانده زعماء العشائر والقبائل الكبيرة، لتخليصهم من الفقيد إبراهيم الحمدي. وفي حين ارتبط اسم الحمدي بتقليص دور المشايخ والتركيز على بناء دولة النظام والقانون، دولة العصر الحديث، فإن حكم صالح قد ماهى بين الدولة والقبيلة، وارتد بالدولة إلى ما قبل عصر الدولة، فتحول حكمه إلى صورة من صور القبيلة؛ ولكنه لم يكسب رضاها؛ لأنه غذى الصراعات القبيلة والثارات والاحتراب بينها، فانفضت عنه معظم القبائل وأهمها، بل وناصبته العداء، وكان في طليعة المنضمين للاعتصامات في ميادين الاحتجاجات السلمية والمظاهرات رموز قبلية كبيرة: كل أولاد الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر (حاشد) وأمين العكيمي والشيخ سنان أبولحوم من أهم مشايخ بكيل ومشايخ أرحب، ومشايخ صعدة وعمران وحجة ومراد وخولان والبيضاء.

بانضمام القبائل الكبيرة اهتز نظام صالح؛ لأن السند القبلي من أهم مرتكزاته. وبانشقاق قائد الفرقة الأولى مدرع وقادة عسكريين مهمين في قبيلة صالح نفسها، بدأ تصدع الحكم. وسنحان قبيلة صغيرة ترتبط بخولان العالية، حسب الهمداني في "صفة جزيرة العرب"، وقد انشق عليه أهم القادة العسكريين من القبيلة نفسها: عبد الله القاضي، صالح الضنين، وعبد الملك السياني وزير الدفاع الأسبق، ولم يبق له من سند قبلي أو عسكري غير أولاد إخوته وبعض إخوانه. اللافت أن التجار في كل الغرف التجارية قد التحقوا بصفوف المحتجين، وأعلنوا تأييدهم للاحتجاجات المدنية السلمية. ومعروف مدى مقدرة التجار على معرفة اتجاهات الرحى، واستشعار خطورة الوضع قبل انهياره. فإذا كان الشعراء أكثر استشعاراً واستشرافاً للتبدلات الجديدة، فإن التجار أيضاً هم أكثر إدراكاً للمخاطر المحدقة. أما فقهاء السلف فإن ولي الأمر عندهم "من قويت شوكته وجبت طاعته"، لذا فإنهم قد نفضوا أيديهم من "ولي أمر ضعيف يستجدي النصرة والتأييد"، فخرجوا من لقائه إلى ساحة التغيير داعين إلى تغييره. الرهان على التفكيك والحرب الأهلية

الاحتجاج السلمي أبطل خيار العسكرة، ولم يبق في جعبة الحكم غير الفتن الداخلية والاحتراب الأهلي والتلويح بفزاعة "القاعدة" والإرهاب. انسحاب الجيش والأمن من مناطق في شبوة وأبين، وتسليم بعضها لـ"القاعدة"، وكارثة مصنع الذخيرة في أبي، والتي أودت بحياة مائة وخمسين فرداً وعشرات الجرحى، وتجيير مذبحة ساحة التغيير بصنعاء في "جمعة الكرامة" للأهالي، كلها تؤكد استمرار الرهان على "الفتنة الداخلية". ولكن مؤشر فشل هذا الأسلوب يعمق من أزمة صالح ونظامه المتداعي، ويفتح الباب أمام رحيله وعائلته ونظامه. لقد فقد صالح سيطرته على معظم المحافظات، كما فقد سيطرته على القبائل ومناطق القبائل، ودان التجار والفقهاء المذابح ضد المحتجين المسالمين، ولم يبق له غير ساحة السبعين بجوار دار الرئاسة. وحتى الفتن الداخلية التي راهن عليها وهدد بها فإن هامشها بدأ يضيق بمقدار اتساع دوائر الرفض لحكمه. لعدة جمعات متتاليات يستدعي صالح عشرات الآلاف من مناطق مختلفة ومن الجنود والأمن والموظفين، ويتحدث المراقبون عن إنفاق المليارات على هذه المسيرات المصطنعة. ورغم التسميات الخادعة: "جمعة التسامح"، و"جمعة الإخاء"... إلا أن الخطاب الناري لصالح يفضح طبيعة مثل هذا التحشيد الذي يؤكد الإصرار على "الفتنة الأشد من القتل". رهان صالح على الوحدة بالحرب فشل في 49، فالوحدة اليمنية لم تقم إلا على أساس التنوع والتعدد والتشارك الاختياري والطوعي في التوحد وبناء الدولة، ورهانه اليوم على الفتنة والاحتراب الأهلي والتفكك والتمزيق مازال يمثل خطراً ويدفع إليه حالة اليأس القاتلة والأزمة العمودية والأفقية العميقة والشاملة تتفاعل باطراد. يتعامل الحكم مع الشمال "ج. ع. ي" كرهينة وأنه نظام قروسطي اتبعته المتوكلية اليمنية، حيث يؤخذ أبناء زعماء العشائر كأسرى لدى الحاكم ضمانا للولاء والطاعة وعدم التمرد على الحاكم أو المتغلب. ويتعامل صالح مع الجنوب بعد حرب 94 كسبية أو "فيد"، فالجنوب "فيد" حرب يملكه المتغلب، ولا يشاركه فيه أحد، ويوزعه بالملي والسنتي على قاعدة حربه الإجرامية، والأقربون منهم أولى. فهناك تقرير رفعته لجنة شكلها صالح من عبد القادر هلال، وزير الإدارة المحلية حينها، وصالح باصرة، وزير التعليم العالي، قبل عامين، أكدت استيلاء قادة الحرب على ساحات تتجاوز عشرات الكيلومترات من أرض الجنوب ولم يتخذ بحقه أي جراء. الحرب أم الجرائم كلها، وقد فجرت حرب 94 أزمة في الشرعية. عجزت الثورة اليمنية سبتمبر 62 وأكتوبر 63 عن التحول من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية. وكانت الوحدة اليمنية في الـــ22 من مايو 90 آخر فرصة لمثل هذا التحول؛ ولكن الحرب حولت الشرعية الثورية إلى حكم الأسرة والفرد، وألغت مشاركة الجنوب، وفيما بعد مشاركة حلفاء النظام. ألغى المنتصرون بالحرب الجيش والأمن الجنوبيين. كما ألغوا الوظيفة العامة للمئات والآلاف من أبناء الجنوب، وألغوا القطاع العام، أساس اقتصاد الجنوب، وحولول الشركات والمؤسسات في الشمال والجنوب للأٍقرباء والمحاسيب: شركة التبغ والكبريت، مؤسسة الحبوب، التجارة الخارجية، مطاحن الحبوب، وعشرات المؤسسات والشركات. اقتصاد الجنوب كان قائماً على ملكية الدولة لوسائل الإنتاج، واحتكار التجارة وسيطرة القطاع العام. أما في الشمال فإن التكامل والتعاون كان قائماً بين القطاع العام والخاص. وبدلاً من خصخصة هذه القطاعات قامت بنهبها وتدمير إمكانياتها، ومن ثم بيعها بالملاليم للأقارب والمحاسيب. وقد عطلت ميناء عدن، وبدلاً من تحويله إلى سوق حرة باعت الميناء "برشوة للشركة المنافسة (دبي)"، وبثمن بخس ولثلاثين سنة. انطلقت الشرارات الأولى من الجنوب كاحتجاجات مطلبية وحقوقية لم يلتفت إليها، لتتحول إلى حراك جنوبي يعم الجنوب مطالباً بالانفصال. ثم انفجرت حروب صعدة المكرورة، والتي دمرت المدينة وعشرات القرى والمزارع وشردت ما يقرب من نصف مليون ومئات وآلاف القتلى. حرب 94 دمرت شرعية الحكم وألغت الوحدة السلمي والديمقراطية، بينما حرب صعدة فككت التحالفات بين القبيلة والقبيلة وبين القبائل والحكم، كما دمرت القوة العسكرية وزرعت بذور التصارع داخل رأس الحكم، ونقلت الصراع إلى الحلقة الرئيسة فيه. ما بعد الرحيل

خيارات صالح ما بين الحسم العسكري، المستحيل، وبين الحرب الأهلية والتفكيك إلى أربع دول وضياع حضرموت والتهديد بتقسيم اليمن، حسب خطابه. والحقيقة أن بقاء الرئيس في الحكم هو الخطر الداهم المهدد بالتفكك والحرب الأهلية وتفعيل "القاعدة". ويتأرجح الحكم حالياً بين هذا الخيار الكريه والقبول بالرحيل مقابل عدم المساءلة والإبقاء على مشاركة بعض من أسرته وحزبه. البقاء في الحكم يواجه برفض شعبي، والنظام يتفكك بصورة عبر عنها صالح بـ"تساقط أوراق الخريف"، فالقبيلة والعسكر والحزب كلها تنهار، وكبار موظفيه وأتباعه يهربون من السفينة الغارقة. وحقيقة فإن بقاءه يعني مخاطر كثيرة، منها الحروب الأهلية والتفكك، وهذا ما يريد، وخطبه وسلوكه تؤكد ذلك! لذا فإن الإسراع في تصعيد الاحتجاج وصولاً إلى العصيان المدني، الذي بدأ فعلاً في عدن ويمكن أن يمتد ويتواصل إلى بقية المدن الأخرى بوتائر متسارعة، لإزعامه على التنحي والرحيل، وتنتصب الأسئلة كقوس قزح: هل يمكن الانزلاق للحرب الأهلية؟ وما هي الضمانات لمنع ذلك؟ ما هي الضمانات مرة أخرى في حال الغياب لئلا تطل الفتنة برأسها مجدداً؟! وبتشظي الإجماع الوطني الآن فقد تبدأ الخلافات بين الفرقاء ويعود الاستقطاب الأيديولوجي المذهبي الجهوي. والحقيقة أن لهذه الأسئلة مبرراتها، كما أن للمخاوف أسبابها، فالرجل قد حكم اليمن بالتخويف والتشكيك، ويراهن الآن على التفكيك والحرب الأهلية، وهو لا يكتفي بالوعيد والتهديد، حسب الخطب المكرورة والتصريحات الكثيرة، وإنما يعمل بدأب وعناد على تفكيك الجنوب، وتسليم مناطق منه لـ"القاعدة"، وإشعال الفتنة في مناطق أخرى وغرس العداوات والتصارع بين الشمال والجنوب، وما التلويح والتهديد المستمر بـ"الجزأرة" و"الصوملة" و"الأفغنة" إلا شاهد الممارسة الواقعية ووضع الكل في مواجهة الكل. هناك ما يسميه هيجل "مكر التاريخ"، فالرئيس صالح -بالحرب في صعدة وإلغاء مشاركة الجنوب وتحريك "القاعدة" والتيارات التكفيرية والتخوينية ومحاولات وضع الكل في مواجهة الكل- قد رص صفوف اليمنيين -كل اليمنيين- للمواجهة معه ومع نظامه، وأدرك اليمنيون أن النظام نفسه مصدر كل هذه الشرور. يقف اليمنيون الآن على أرضية "إسقاط النظام"، ويتوحدون كما لم يتوحدوا من قبل في مواجهة الفساد والاستبداد. الترابط عميق بين الجنوب والشمال. ومنذ الثلث الأول من القرن الماضي غدت عدن مركز التمدن والتحضر والعصرنة والتنوير لليمن كلها، فهي العاصمة الاقتصادية والثقافية والفنية والسياسية للمعارضة. في العام 43/ 44 وفد إلى المدينة عشرات الأحرار: النعمان، الزبيري، مطيع دماج، الحكيمي، الموشكي، الشامي، الفسيل... ليكونوا "حزب الأحرار". فالحركة الوطنية اليمنية منذ نشأتها الأولى في القاهرة عام 1939 (الكتيبة الأولى) قد نشأت موحدة، وشارك أبناء الجنوب والشمال في صياغة بيانها الأول، كما أن المؤتمر العام للطلاب اليمنيين عام 56 كان موحداً، والحركة النقابية العمالية والمؤتمر العمالي والجبهة الوطنية الموحدة نشأت موحدة منذ الخمسينيات، والأحزاب الحديثة: البعث، حركة القوميين العرب، الناصريون، والماركسيون، كانوا أيضاً موحدين. الترابط بين الشرائح والفئات المختلفة الوطنية والقومية، اليمنية، قوي. ودافع أبناء الجنوب دفاعاً عن الثورة في الشمال، والعكس صحيح. الانفصال الحقيقي في رأس الحاكم، في تفكيره وسلوكه وممارسته. في ذروة الصراع يستعيد الحاكم اللحظات الأكثر دموية وقتامة لينظر عبرها إلى مستقبل اليمن. الخلافات، وحتى التفاوت والتمكين والتمييز في اليمن، موجود بين الشمال والجنوب وبين مختلف فئات وشرائح المجتمع اليمني وبين الطوائف والأحزاب والمذاهب والعقائد؛ ولكنها ليست عصية على المعالجة. رحيل النظام الذي أسهم في تأجيجها وحكم بها، هو خطوة أولى ضرورية ومهمة، ليس للمعالجة فحسب، وإنما لإعادة صياغة الكيان اليمني برمته، ولمعالجة الدمار الذي ألحق باليمن كلها، وبالأخص الجنوب، الذي ألغيت مشاركته ومحيت تجربته الرائدة في مجال بناء أسس الدولة وفي نهب ثرواته والتنكيل بأبنائه، كما هو الحال بالنسبة لصعدة، فمعالجة الدمار الذي لحق بصعدة مهمة أيضاً في تجنيب اليمن الحرب الأهلية التي طالما توعَّد وهدد بها صالح شعبه، وفي إعادة الاعتبار للكرامة اليمنية وللحرية والديمقراطية والعدالة وبناء حكم اليمنيين في دولة مدنية حرة وديمقراطية. انزلاق اليمن إلي حرب أهلية بعد الرحيل أمر مستبعد. واستبعاد مثل هذه الحرب مرده إلى تصدع "جبهة الحرب": الجيش المنقسم، فلأول مرة في حكم صالح والمكرس لبناء القوة العسكرية والزج في حروب مستدامة. والمتابع يدرك ذلك الهوس بالتسلح، ومعظم قروض اليمن سببها شراء الأسلحة، كما أن الإنفاق على العسكرة ولقاءات وخطب وتصريحات صالح تجعل الجيش "حزب الأحزاب" وفوق الأحزاب والشعب، فتأييد الجنرال علي محسن وحماية جنود "الفرقة الأولى مدرع" لساحة التغيير بجوار "جامعة صنعاء" وتصرف هؤلاء الجنود كحماه للمواطنين وكفالة حرياتهم، هو ما لم يتفهمه صالح، الذي يعتقد أن وظيفة الجيش الحرب ضد الشعب وقمع المواطنين. كما أن القبيلة، وهي مكون أساسي من مكونات المجتمع اليمني وهي مدججة بالسلاح حتى الأسنان، تنتفض من حول صالح وتلتحق بساحات الحرية والتغيير في أكثر من مدينة، وهو ما أفزع صالح وحكمه، وأثار إعجاب واندهاش العديدين. ويتقبل أبناء المجتمع الأهلي (القبيلة) الرصاص الحي كإخوانهم المدنيين. وخلال الأعوام منذ حرب 94 وحروب صعدة وما تناسل منها من حروب كثيرة وبسبب الاندماج الوطني في المدن وانتشار الوعي السياسي بفضل ثورة الاتصالات والأزمة الشاملة للنظام، إضافة إلى ذكاء الإنسان اليمني وسرعة استجابته لرياح العصر وقابليته للجديد، رغم تخلفه وجهله، فقد كان لثورتي تونس ومصر، وبالأخص مصر، أثر بالغ في خلق وعي وطني وسلمي في المجتمع اليمني، وهو ما يجعل الحرب الأهلية مستبعدة وإن لم تكن مستحيلة. أما إذا استمر صالح في كرسي الرئاسة حتى نهاية فترة حكمه فإن احتمال اشتعال الحرب يكون راجحاً؛ فالرئيس صالح يتصرف بروح ثأرية ونزعة عدوانية، خصوصاً بعد ما ألحق به من احتجاجات غير مسبوقة يعتبرها هو إهانة، بل إن صالح قد جاء إلى الحكم كطالب ثأر بدم صديقه أحمد الغشمي، الرئيس الأسبق، كإشارة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في مذكراته، وكانت سنون حكمه الثلاث والثلاثين هي ثأر بالمعنى الجمعي وليس العشائري؛ فحروبه الكثيرة ذات طابع ثأري في عمومها وانتقامي حد الإبادة والقتل، فصالح، كصدام حسين، كالقذافي، يعتقد بأنه صانع اليمن وبانيها "طوبة طوبة"، فهي ملكية مقدسة يجب افتداؤها بالروح والدم وكل غال ورخيص، حسب خطابه. غياب صالح لليمن أيام وطنية كثيرة، شأن العديد من البلدان والأمم والشعوب. ضمن هذه الأيام أيام الــ26 من سبتمبر 62، والرابع عشر من أكتوبر 63، ويوم الاستقلال الوطني الثلاثين من نوفمبر 67، والـــ22 من مايو يوم قيام الوحدة. وقد يصبح يوم رحيل صالح، غداً أو بعده، أهم يوم وطني في تاريخ اليمن المعاصر، لماذا؟ معروف أن الثورة السبتمبرية قام بها مجموعة من الضباط الصغار نيابة عن إرادة الأمة التي ساندت الثورة ودافعت عنها، وقد حققت الثورة انجازات ولكنها فشلت في الكثير: التنمية، الحداثة، العدالة، الديمقراطية، الاندماج الوطني، استكمال البنية التحتية وبالأخص في مجال التعليم والصحة ومستوى الدخل والبطالة والتضخم والبناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي... أما هذه الثورة فلعل أهم ما يميزها عن سابقاتها هو أنها ثورة شعبية وسلمية بقيادة الشباب. وقد شاركت خمس عشرة مدينة ضمت الملايين من المحتجين السلميين، هؤلاء الملايين، في ميادين المدن وفي مختلف التركيبة الاجتماعية ومن ألوان الطيف الثقافي والسياسي، هم الضمانة الأكيدة للانتصار والاستمرار وعدم سرقتها أو الانحراف بها عن مجراها الرئيسي أو إفراغها من مضمونها الوطني والقومي الديمقراطي، ويكون من الصعب انزلاقها لحرب أهلية، لأنها وبعمقها واتساعها انتفاضة احتجاج مدني سلمي ضد الحروب المتناسلة التي أشعلها النظام البائد، وهي أيضاً ضد التشظي والتفكك والانقسام الذي جسده صالح ليصل به تخوم أسرته وأهله وقبيلته الصغيرة. الثورتان اليمنيتان: سبتمبر وأكتوبر، قامتا وانتصرتا بالسلاح. وكانت القوة أساس شرعيتهما الثورية. وتحققت الوحدة اليمنية سلمياً؛ ولكن صالح انقلب عليها وقهرها بالسلاح، ومن هنا يصبح السلاح عنده "حقيقة الله العظمى" التي انتصر بها، وبها يخرج من الحكم كما قال للصديق عبد الباري عطوان. في الماضي القريب كانت القبيلة عائقاً أمام الدولة، وقد أدرك صالح ذلك فبنى سلطته على هذا النزول، متماهياً مع القبيلة التعبير الأرقى لتفكيره ومسلكه، غير مدرك التحولات العميقة في القبيلة التي بدأت تتطلع للعدل وللنظام والقانون وللخلاص من الثارات ومن الفقر والجهل والمرض. يتسم المجتمع اليمني بالفتوة، فهو مجتمع شاب تبلغ نسبة الشباب فيه قرابة الـــ70?، وهو متنوع ومتعدد، وفيه أكثر من مائة ألف قرية تتداخل وتميع فيها الحدود الطبقية، والريف والمدينة متداخلان، ولا تفاوت كبير بينهما. الرهان على حرب أهلية رهان خاسر، ففي الساحات والاحتجاج المدني السلمي يتلاقى الحوثي بالسلفي، والزيدي الشيعي المعتدل بالوهابي، والشمال بالجنوب، والعلماني بالداعية الإسلامي... ليكونوا الوحدة الرائعة للتنوع والتعدد والقبول ببعض، والهدف الواحد المشترط: "إسقاط النظام" وقيام الدولة المدنية الحديثة والديمقراطية. وهم جميعاً بألوان طيفهم المجتمعي وألوانهم الفكرية والسياسية يقدمون صدورهم العارية للرصاص وهم يرددون: "الشعب يريد إسقاط النظام".

" صحيفة النداء"